حيدر حب الله

77

شمول الشريعة

التجربة الإنسانيّة ؛ لأنّ عالم الآخرة خارج النشأة الدنيويّة هذه ، فهذا يعني أنّ الإنسان يفترض به أن يرجع إلى الله لكي يخبره بطبيعة هذه العلاقة في كلّ فعلٍ من الأفعال ، وليس معنى هذا سوى شموليّة الشريعة لكلّ وقائع الحياة ، فكأنّ بيان قوانين الآخرة يحتوي بيان قوانين الدنيا نفسها « 1 » . وهذه الصياغة في الاستدلال تختلف عن سابقتها ؛ لأنّنا لا نريد هنا بيان عجز العقل عن تنظيم الحياة الدنيويّة ، بل بيان عجزه عن النجاة في الآخرة عبر تحديد سلوكيّاته الدنيويّة ، وحيث إنّ الآخرة أكثر غموضاً بالنسبة إلينا من الدنيا ، لهذا تصبح هذه المقاربة للاستدلال أكثر قوّةً بهذا المعنى . إلا أنّ هذا الكلام يمكن التعليق عليه ؛ وذلك : أوّلًا : إنّه يقوم على نظريّة العلاقة السببيّة أو التكوينيّة بين الفعل الدنيوي والأثر الأخروي ، وقد سبق لنا أن ناقشنا هذه النظريّة في بعض دروسنا التفسيريّة ، وقلنا بأنّه لا دليل يسنده لا من النصّ ولا من العقل ، بل بعض الأدلّة النصيّة على خلافها بحسب الظاهر ، ولهذا لا نؤمن بنظرية تجسّم الأعمال التي بات يميل إليها كثيرون . بل حتى لو آمنّا بأنّ الأثر الأخروي هو نتيج نشأة الدنيا في أفعال العباد ، فربما يقال - والمسألة بحاجة لمزيد تأمّلٍ وتقصٍّ - بأنّه ليس هناك دليل على أنّ كلّ أفعالنا في الدنيا هي سبب تكويني لآثار أخرويّة ، بل ما نستطيع الجزم به هو أنّ كلّ أثر أخروي معلولٌ لعملٍ إنسانيّ في الدنيا ، لا أنّ كلّ عمل إنساني في الدنيا هو سبب لأثر أخروي ، فهذا ما يبدو لي أنّه من الصعب إثباته إلا من خلال عدد محدود جداً من النصوص التي لدينا تحفّظ على دلالاتها على أصل موضوع تجسّم الأعمال ، مثل ما جاء في أواخر سورة الزلزلة . ثانياً : حيث إنّنا نجيز العمل بالأحكام الظاهريّة التي قد تصيب وقد تخطأ ، فهذا يعني أنّ لدينا تبريراً لهذه القضيّة في زاوية العلاقة التكوينيّة بين الفعل والأثر ، فلو شرب شخصٌ الخمرة بظنّ حليّتها ، فإنّ طبيعة الفعل مع النيّة مع المعرفة تمثل ثلاثيّاً هو الذي يكوّن الأثر الأخروي مثلًا ، وهذا شيء من الواضح أنّه لا ينفيه المستدلّ هنا ، وإذا قبلنا بهذا ، لماذا يستحيل في هذه

--> ( 1 ) انظر : الحيدري ، الظنّ : 50 . ولعلّه طرح هذه المقاربة بوصفها مجرّد شرح للمتن الذي كان بصدد شرحه أو لعلّه عدل عن هذا الفهم كما سمعنا .